السيد محمد الحسيني الشيرازي
154
الفقه ، الرأي العام والإعلام
وماركس ، لكن في الجملة استمرت هذه النظريات عرضة للنقد العلمي . وعلى أي حال : فللإدراك الإنساني دخل في تكوّن الرأي العام لأفراد كثيرين ، يشكّلون الرأي العام إمّا لهذا الجانب أو لجانب آخر أو إلى أحد الجانبين . ولذا يقول أحد العلماء « 1 » : « لقد كثر اعتماد الباحثين على جمع المعلومات عما يعتقدها الناس أو يتصورون أنه لا بد من الاعتقاد بها بدلا من دراسة العوامل العاطفية من وراء تفكيرهم ومع أن استطلاعات الرأي لها قيمتها في بعض الأعراض . وإنّنا بحاجة لأن نعرف أكثر ؛ لأنّ الاستطلاعات ليست الأداة الفاعلة لفهم العوامل التي تعمل تحت سقف الرأي ، وبدون معرفة هذه العوامل لا نستطيع التكهن بالطريقة التي يتصرّف بها الأفراد في المواقف الحرجة ، وفي الآراء التي يعترفون بأنّهم يؤمنون بها ، وفي المذاهب والإيديولوجيات الجديدة التي يرفضونها ، فمن ناحية القوى المحرّكة للمجتمع يكون لكلّ رأي قيمته بمقدار الرصيد العاطفي الذي تمتد جذور هذا الرأي فيه » . أقول : إنّ للعاطفة مدخلية كبرى في صناعة الرأي العام ، كما وأنّ للعقل مدخلية أيضا ، وكلّ من العقل والعاطفة له جذوره في البناء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتربوي والعائلي والجغرافي وما أشبه ذلك ، ومن هذا المجموع يتكوّن العقل والعاطفة ، ومنهما يتكوّن الرأي العام . كما وأنّ للوراثة مدخلية لا على نحو الكليّة وإنّما على نحو الجزئية ، فلو فرضنا أنّ إنسانا ولد في بغداد لأبوين بغداديين ثمّ انتقل إلى النجف الأشرف ، فإنّه بعد كبره يصبح متّصفا بصفات النجفيين ، وإن كان لولادته في بغداد تأثير وارد في التفكير والسلوك أيضا .
--> ( 1 ) وهو عالم النفس الأمريكي الألماني الأصل إريك فروم .